محمد الغزالي

188

خلق المسلم

واحدا وأرسل أنبياءه تترى ليقودوا الناس كافة في طريق واحد ، وحرم عليهم من الأزل أن يصدعوا الدين ، وأن يتفرقوا حوله عزين . بيد أن الشهوات المتنزية تناست هذه الوصية الكريمة ، وتنكرت للتراث الإلهي العظيم ، فانقسم الناس أحزابا ، وصار كل حزب يكيد للآخر ويتربص به . قال تعالى : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً ، إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ . وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ، وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ . فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ . فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ « 1 » . وبيّن اللّه عزّ وجلّ أن اتباع الهوى ومتابعة البغي هو سر هذا الافتراق الواسع . والحق أن العلم عندما ينفصل عن الخلق ، ويفارقه الإخلاص يمسي وبالا على أهله وعلى الناس . . وقد كان الناس قبل الدين يضلهم الجهل في شعابه الحائرة . فلما جاء الدين واستبد به دهاقينه ، وتاجروا بعلومه لأنفسهم ومطامعهم تاهت جماهير العامة في سبل جائرة ! . وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يستعيذ باللّه من علم لا ينفع . وقال : « إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي منافق عليم اللسان » « 2 » . أجل ، إن القلب الخرب يجعل من العلم سلاحا للفساد . وقد تأذى العالم في القديم والحديث من هذا العلم المدمر . ونبأنا اللّه عزّ وجلّ أن العلماء بألسنتهم لا بأفئدتهم هم الذين مزقوا شمل البشر : قال جلّ شأنه : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً ، وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى . أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ، كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ، اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ . . . ثم قال : وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ ، بَغْياً بَيْنَهُمْ « 3 » .

--> ( 1 ) المؤمنون : 51 - 54 . ( 2 ) البزار . ( 3 ) الشورى : 13 ، 14 .